العيني

152

عمدة القاري

أي : هذا باب في قوله تعالى : * ( الذين استجابوا لله والرسول ) * الآية . قوله : ( الذين استجابوا ) مبتدأ وخبره قوله : ( للذين أحسنوا منهم ) واستجابوا بمعنى أجابوا ، كما في قول الشاعر : * وداع دعايا من يجيب إلى الندافل يستجبه عند ذاك مجيب * وتقول العرب : استجبتك ، بمعنى : أجبتك ، فإن قلت : ما فائدة هذه السين هنا ؟ قلت : فائدتها أنها تدل على أن الفعل الذي تدخل عليه هذه السين واقع لا محالة ، وسواء كان في فعل محبوب أو مكروه ، وسبب نزول هذه الآية الكريمة ما رواه أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة . قال : لما رجع المشركون من أُحد قالوا : لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عتبة الشك من سفيان ، فقال المشركون : نرجع من قليل ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكانت تعد غزوة ، وأنزل الله عز وجل : * ( الذين استجابوا لله والرسول ) * الآية . ورواه ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ، فذكره وقال : محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن خارجة ابن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا قال : شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالخروج في طلب العدو . قلت لأخي وقال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلاَّ جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت أيسر جرحات ، فكان إذا غلب حملته عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون ( فإن قلت ) : لم لم يسبق في هذا الباب حديثا ؟ قلت : كأنه لم يظفر بحديث يطابقه فبيض له ثم لم يدرك تسويده ، والذي ذكرناه الآن عن ابن أبي حاتم مطابق للباب لأن رجاله رجال الصحيح ، ولكنه مرسل عن عكرمة . فإن قلت : فيه عن ابن عباس في رواية كما في رواية ابن مردويه . قلت : المحفوظ عن عكرمة ليس فيه ابن عباس ، كذا قيل : وفيه موضع التأمل . القَرْحُ الجِرَاحُ . اسْتَجَابُوا أجابُوا يَسْتَجيبُ يجَيبُ أشار بقوله : القرح إلى ما في قوله تعالى : * ( أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) * قال الزمخشري : القرح ، بفتح القاف وضمها لغتان كالضغف والضعف ، وقيل هو بالفتح : الجراح وبالضم المها وروى سعيد بن منصور بإسناد جيد عن ابن مسعود أنه قرأ القرح ، بالضم وهي قراءة أهل الكوفة ، وذكر أبو عبيد عن عائشة أنها قالت : اقرؤها بالفتح لا بالضم ، وقرأ أبو السمال : قرح ، بفتحتين والمعنى : إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم مثله يوم بدر . قوله : ( استجابوا أجابوا ) أشار بهذا إلى أن الاستفعال بمعنى الأفعال ، وقد ذكرنا الآن فائدة السين . قوله : ( يستجيب : يجيب ) ، أراد أن يستجيب الذي في قوله تعالى : * ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( الشورى : 26 ) أي : يجيب الذين آمنوا ، وإنما ذكر هذا هنا وهو في سورة الشورى استشهاد للآية المتقدمة . 13 ( ( بابٌ : * ( إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) * ( آل عمران : 173 ) الآيَةَ ) ) أي : هذا باب في قوله تعالى : * ( إن الناس قد جمعوا لكم وأوله والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) * وفي رواية أبي ذر : باب : * ( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) * وزاد غيره لفظ : الآية ، والمراد بالناس الأول نعيم بن مسعود الأشجعي ، وقيل : المنافقون والمراد بالناس الثاني : أبو سفيان وأصحابه ، وأبو نعيم أسلم بعد ذلك . فإن قلت : ما وجه إطلاق الجمع على الواحد في قول من قال إن المراد بالناس الأول هو أبو نعيم ؟ قلت : قال الزمخشري : لأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ويلبس البرود وماله إلاَّ فرس واحد وبرد واحد . قوله : ( فزادهم ) الفاعل فيه هو الضمير الذي يرجع إلى ما دل عليه قوله : ( فاخشوهم ) أي : ذلك التخويف زادهم إيمانا أي : تصديقا وثبوتا